فخر الدين الرازي

27

تفسير الرازي

الحكم الثاني قوله تعالى * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : * ( كتب ) * يقتضي الوجوب وقوله : * ( عليكم ) * يقتضيه أيضاً ، والخطاب بالكاف في قوله : * ( عليكم ) * لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : * ( كتب عليكم القصاص ) * ( البقرة : 178 ) ، * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 183 ) . فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية . قلنا : بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله : * ( عليكم ) * أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : * ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) * حجة عطاء أن قوله : * ( كتب ) * يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : * ( عليكم ) * يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : * ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) * حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : * ( وكلا وعد الله الحسنى ) * ( النساء : 95 ) ولو كان القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتاً ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : * ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) * ( التوبة : 122 ) والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه